الشوكاني
470
فتح القدير
فرعون ، فلما سمع فرعون بذلك لحقهم بجنوده ، ففرق الله البحر لموسى وبنى إسرائيل ، فمشوا فيه حتى خرجوا من الجانب الآخر ، وتبعهم فرعون والبحر باق على الحالة التي كان عليها عند مضى موسى ومن معه ، فلما تكامل دخول جنود فرعون وكادوا أن يخرجوا من الجانب الآخر انطبق عليهم فغرقوا كما حكى الله سبحانه ذلك ( قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ) أي صدقت أنه بفتح الهمزة على أن الأصل بأنه ، فحذفت الباء ، والضمير للشأن . وقرئ بكسر إن على الاستئناف ، وزعم أبو حاتم أن القول محذوف : أي آمنت ، فقلت إنه ولم ينفعه هذا الإيمان أنه وقع منه بعد إدراك الغرق كله كما تقدم في النساء ، ولم يقل للعين آمنت بالله أو برب العالمين ، بل قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ، لأنه بقي فيه عرق من دعوى الإلهية . قوله ( وأنا من المسلمين ) أي المستسلمين لأمر الله المنقادين له الذين يوحدونه وينفون ما سواه ، وهذه الجملة إما في محل نصب على الحال أو معطوفة على آمنت . قوله ( الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ) هو مقول قول مقدر معطوف على قال آمنت : أي فقيل له أتؤمن الآن ؟ وقد اختلف من القائل لفرعون بهذه المقالة ؟ فقيل هي من قول الله سبحانه ، وقيل من قول جبريل ، وقيل من قول ميكائيل ، وقيل من قول فرعون ، قال ذلك في نفسه لنفسه . وجملة وقد عصيت قبل في محل نصب على الحال من فاعل الفعل المقدر بعد القول المقدر ، وهو أتؤمن الآن ، والمعنى : إنكار الإيمان منه عند أن ألجمه الغرق والحال أنه قد عصى الله من قبل ، والمقصود التقريع والتوبيخ له . وجملة وكنت من المفسدين معطوفة على عصيت داخلة في الحال : أي كنت من المفسدين في الأرض بضلالك عن الحق وإضلالك لغيرك . قوله ( فاليوم ننجيك ببدنك ) قرئ " ننجيك " بالتخفيف ، والجمهور على التثقيل . وقرأ اليزيدي : " ننحيك " بالحاء المهملة من التنحية ، وحكاها علقمة عن ابن مسعود ، ومعنى ننجيك بالجيم : نلقيك على نجوة من الأرض ، وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون غرق وقالوا : هو أعظم شأنا من ذاك ، فألقاه الله على نجوة من الأرض ، أي مكان مرتفع من الأرض حتى شاهدوه وقيل المعنى : نخرجك مما وقع فيه قومك من الرسوب في قعر البحر ونجعلك طافيا ليشاهدوك ميتا بالغرق ، ومعنى ننحيك بالمهملة : نطرحك على ناحية من الأرض وروي عن ابن مسعود أنه قرأ " بأبدانك " . وقد اختلف المفسرون في معنى ببدنك ، فقيل معناه : بجسدك بعد سلب الروح منه ، وقيل معناه : بدرعك ، والدرع يسمى بدنا ، ومنه قول كعب بن مالك : ترى الأبدان فيها مسبغات * على الأبطال واليلب الحصينا أراد بالأبدان الدروع ، وقال عمرو بن معدي كرب : ومضى نساؤهم بكل مضاضة * جدلاء سابغة وبالأبدان أي بدروع سابغة ودروع قصيرة : وهي التي يقال لها أبدان كما قال أبو عبيدة . وقال الأخفش : وأما قول من قال بدرعك فليس بشئ ، ورجح أن البدن المراد به هنا الجسد . قوله ( لتكون لمن خلفك آية ) هذا تعليل لتنجيته ببدنه ، وفي ذلك دليل على أنه لم يطهر جسده دون قومه إلا لهذه العلة لا سوى ، والمراد بالآية العلامة : أي لتكون لمن خلفك من الناس علامة يعرفون بها هلاكك ، وأنك لست كما تدعي ويندفع عنهم الشك في كونك قد صرت